ما الفرق بين ثقافة الشاي الفيتنامية والصينية؟
ثقافة الشاي قديمة جداً. يعود أصل الشاي إلى شرق آسيا وجنوب شرقها، وكان الصينيون أول من زرع شجرة الشاي واستثمرها، ثم انتقلت زراعته إلى البلدان المجاورة مثل فيتنام، حيث توسّع الناس في زراعته تدريجياً. لذلك تأثرت ثقافة الشاي الفيتنامية كثيراً بثقافة الشاي الصينية، ومع ذلك يتميز فن الشاي الفيتنامي بسمات فريدة كثيرة لا نجدها لدى الصينيين. في المقال التالي نعرّفكم بثقافة الشاي المميزة لدى الشعبين.
ثقافة الشاي في الصين
يمكن تقسيمها إلى 3 مراحل رئيسية: الشاي المطبوخ، والشاي المخفوق (باستخدام مسحوق الشاي)، والشاي المنقوع.
مرحلة طبخ أقراص الشاي: كان الناس يقطفون الشاي ثم ينتقونه ويقطعونه ويكبسونه على شكل أقراص ثم يجففونها. وعند الاستخدام تمرّ الأقراص بـ3 خطوات: التجفيف ثم السحق ثم الطبخ. ورافق إعداد الشاي ظهور أدوات خاصة به وطرق لاستعماله.
مرحلة خفق مسحوق الشاي: في عهد أسرة سونغ حلّ مسحوق الشاي محل أقراص الشاي، فكان يُوضع المسحوق في الوعاء ثم يُخفق مع الماء المغلي ويُشرب.
مرحلة نقع الشاي السائب: شاعت في عهد أسرة مينغ، إذ توضع براعم الشاي في الماء فتطفو على السطح، وحين تغوص البراعم يُشرب الشاي. ومنذ ذلك الحين اقتصرت مراحل معالجة الشاي على التحميص والتجفيف… وتشكيل الأوراق.

ويرافق إعداد الشاي أدواتٌ تُستخدم للاستمتاع به. ففي عهد أسرة مينغ مثلاً اشتهرت أواني الشاي الفخارية والخزفية، وكان يُنظر إلى البساطة والهدوء على أنهما أساس الفن، فكان فنجان الشاي الشائع مطلياً بالمينا البيضاء. أما إبريق الطين من ييشينغ (Nghi Hung) ذو اللون الأسود المائل إلى الأرجواني، بشكله المستدير وفوهته وغطائه ومقبضه، فكان رائجاً بشكل خاص. ويتميز إبريق ييشينغ الطيني بما يلي: (1) يُغلى فيه الماء دون الإضرار بلون الشاي ورائحته ومذاقه؛ (2) لا تتغير نكهة الشاي فيه؛ (3) يتحمل الحرارة العالية ولا يتشقق مع الماء المغلي؛ (4) مخصص للشاي فقط؛ (5) كلما استُخدم ازداد لمعاناً ونعومة؛ (6) ينقل الحرارة ببطء فلا يحرق اليدين؛ (7) يأتي بألوان كثيرة لتختار منها ما تشاء. وإلى جانب ذلك لا بد من الحديث عن فن مرتبط بشرب الشاي، وهو الغناء. وفي أوساط النبلاء كان كل شخص يشرب من فنجانه الخاص، وللفنجان غطاء وتحته صحن صغير، ويُسمّى «فنجان الأرز». وعندما لا يرغب الضيف في المزيد يقلب الغطاء، فيفهم النادل أنه اكتفى.
وعند الاستمتاع بالشاي هناك أيضاً آداب خاصة به، مثل طريقة صبّه… يشرب الصينيون الشاي للاستمتاع والاسترخاء ومشاركة الهموم مع أصدقائهم حول رقعة الشطرنج. فشرب الشاي تناغمٌ مع الطبيعة، وتعبيرٌ عن المودة، وحديثٌ في شؤون الدنيا…
تشتهر الصين بأنواع عديدة من الشاي، مثل الشاي الأخضر والشاي الأحمر وشاي أولونغ وشاي الزهور والشاي المضغوط… وأشهرها شاي لونغجينغ الأخضر. وفي أوساط عامة الناس يُحضَّر الشاي في إناء كبير، عادةً ما يكون مثمّن الأضلاع، يوضع في وسط المائدة، وبجانبه إبريق كبير وخمسة فناجين صغيرة مغمورة في الماء الساخن، ومن أراد الشرب صبّ لنفسه وشرب ما شاء. واليوم لا يزال الشاي مشروباً مفضلاً لدى الصينيين، لكنه يُقيَّم بحسب مذاقه فقط، أما من حيث الطقوس فلم تعد له الأناقة التي كانت في الماضي.
ثقافة الشاي في فيتنام
تأثر الشاي الفيتنامي بالثقافة الصينية، إلا أن شرب الشاي الطازج وشاي البراعم عادة فريدة لدى الفيتناميين، لم تُوثَّق ولم تنتشر بعد في العالم.
الشاي مشروب أهل الريف الزراعي الذين يحبون الحياة المستقرة الهادئة؛ لذا فإن فن إعداد الشاي وتذوقه لدى الفيتناميين ليس متكلّفاً جداً ولا بسيطاً جداً، ولا غارقاً في الطقوس ولا عادياً تماماً، بل هو مزيج متوازن ومثالي في إعداد الشاي وشربه.

تعكس طريقة إعداد الشاي لدى الفيتناميين ثقافتهم بالكامل عبر مراحل اختيار الشاي ومعالجته وغلي الماء وتحضير الشاي وصبّه والاستمتاع بنكهته. واختيار الشاي هو الخطوة الأولى والأهم، إذ يفضّل معظم الناس في فيتنام الشاي الطازج وشاي البراعم والشاي الأخضر، ويعتمد أغلب الفيتناميين أساساً على الشاي الطازج. فبعد شرائه طازجاً تُغسل الأوراق وتُفرك قليلاً وتُزال السيقان المكسورة، ثم يُغلى الماء ويُسكب على الشاي ويُعاد غليه، ثم يُترك نحو 15 دقيقة لينقع قبل الشرب. ويعكس شرب الشاي الطازج أيضاً الروح الجماعية لثقافة القرية الفيتنامية.
وإلى جانب شرب الشاي الطازج وشاي البراعم والشاي الأخضر، لا يزال الناس يأخذون أوراق الشاي المسنّة فيجففونها ويسحقونها ليشربوها على مهل (ويُسمّى الشاي المجفف)، فتكون الأوراق جافة والبراعم حمراء اللون. وفي مناطق زراعة الشاي الشهيرة مثل Thai Nguyen وPhu Tho خاصةً، توجد أنواع مثل «الشاي الريفي» و«الشاي المعقوف»… كما عرف الفيتناميون تعطير الشاي باللوتس والياسمين والأقحوان وزهور الأوركيد وغيرها… وأشهرها شاي اللوتس. ويتميز الشاي المعطّر بنكهات فريدة للغاية.
يتميز فن شرب الشاي الفيتنامي بسمات فريدة كثيرة تختلف عمّا لدى الصينيين. فمن أراد فنجان شاي جيداً عليه أولاً أن يجد مصدراً للماء الطبيعي النقي. وأفضل ماء لإعداد الشاي هو قطرات الندى المتجمعة في الصباح الباكر على أوراق اللوتس، أو ماء المطر المنساب من أوراق نخيل الأريكا. ويمزج أصحاب الذوق الرفيع ماء البئر بماء المطر، ويُسمّى ذلك ماء الين واليانغ. ويجب غلي الماء في إبريق فخاري على موقد يعمل بالفحم.
يُستخدم الفحم لغلي الماء لأنه لا يترك رائحة كما يفعل الحطب الجاف أو الزيوت. ويُغلى الماء بالقدر الكافي تماماً، لا أكثر ولا أقل. ثم توضع كمية معتدلة من الشاي، ويُصبّ عليها الماء المغلي لشطفها، ثم يُصبّ الماء مجدداً ويُقدَّم الشاي. إنها رحلة متكاملة يجب أن تبلغ كل مرحلة وكل خطوة فيها حدّ الإتقان الفني، وصولاً إلى الغاية الأخيرة: فنجان شاي لذيذ متكامل حقاً. وليس من قبيل المصادفة أن يُعدّ الشاي، من بين جميع مشروبات البشر، أرقى الفنون. ولصبّ الشاي فنّه الخاص، فليس من السهل صبّه في الفناجين كما ينبغي. فاختيار الشاي وإعداده ودعوة الضيوف إليه سلوك ثقافي يعبّر عن رقيّ الفيتناميين وكرم ضيافتهم، بل إن طريقة رفع الفنجان ودعوة الضيوف والشرب نفسها تعكس هذه الثقافة.
في فن الشاي لا يبالغ الفيتناميون في التكلّف، لكنهم لا يستسهلونه أيضاً. فهم يشربون الشاي رغبةً في التناغم مع الطبيعة، معبّرين عن روح المساواة والتواضع. ولا يشترطون مكاناً مخصصاً للاستمتاع بالشاي، ولا يلزم أن ترافقه الحلوى، بل يهتمون أساساً بمن يشاركونهم الشرب وبتذوّق الشاي نفسه.

